في يوم ٢٧ أكتوبر فوجئت بـ"تغريدة" من شخص يدعى "إبن سلامة" على الموقع الإجتماعي تويتر يقول فيها:
"مقال عن جنزير وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا"
إندهشت من لغة هذه التغريدة. ولكني حقا صدمت عندما قرأت مقال الأستاذ سلامة، فلم يقابلني في حياتي هذا الكم من الغل. وخصوصا نوع فريد من الغل، منبعث تماما من عقلية في منتهى الجهل مشحونة من نفسية في منتهى المرض.
هيا بنا نقوم بتحليل مقال الإستاذ سلامة، الذي يقوم من خلاله بنقد معرضي الفني "الفيروس ينتشر" (١ أكتوبر - ١ نوفمبر ٢٠١٢) :
"لو كنا في دولة تحترم شرع خالقها لما تجرأ أمثال (جنزير Ganzeer) "فنان الشوارع والجرافيتي" أن يعرض أعماله "الفنية" الإباحية دون خوف عقاب أو توبيخ!.. لكن المأساة هي أننا في دولة يخشى مثقفوها من الشريعة وأحكام الإسلام، ويودون لو طمسوها من عقل كل مواطن مصري حتى يستريحوا."
حقا عجيب أن يرى إبن سلامة أن أي عمل فني لا يلائم وجهة نظره هو بمثابة عمل لا يستحق الوجود، ويجب صناعها ملاقاة العقاب والتوبيخ من الدولة. هنا يتهم إبن سلامة أي فنان مصري يقوم بعمل "غير إسلامي" بأنه شخص يود أن يطمس الإسلام من عقل كل مصري! من الواضح أن إبن سلامة غير مدرك أن تصريحاته هذه أكبر دليل على أنه هو وأمثاله هم من يودون طمس كل ماهو غير إسلامي من عقل كل مصري!
أو، ربما يكون مدركاً وفخور برغباته هذه. ولكن قوللي ياإستاذ سلامة: كيف يفرقك هذا النوع من التفكير عن المتذمتين بالغرب الذين يودون طمس الإسلام من أوروبا وغيرها؟ كيف بنا أن ندافع عن حق المسلمين بالغرب إن لم ندافع نحن عن حق غير المسلمين بالشرق؟
ألا ترى أن هذا نوع من الإزدواجية الظالمة في التفكير؟ عليك أن تتقبل ياإبن سلامة، أنت وأمثالك، أن مصر بطبيعتها وتاريخ شعبها، بلد تحتمل العديد من الديانات والتيارات. ليس من السليم أن تخاف من أي فكر لا ينطبق مع فكرك، إلا إذا نادى بوضع القيود على ممارساتك الشخصية. وهذا ياأستاذ سلامة ماتفعله أنت شخصيا: تنادي بوضع القيود على الفنانين، بل وعقابهم على فنهم.
أترك ياأخي الفنانين يرسمون ما بدهم. لا أحد يغصبك على أن تزور معارضهم. وإصنع ياأخي معارضك الفنية بالتيمات التي تراها مناسبة. لن يمنعك أحد، ولن يفرض عليك شخص أن ترسم شيء لاترغب في رسمه!
"لو كانت الحرية هي أن يرسم (محمد فهمي) - المعروف باسم (جنزير) - صورة فتاة بعرض الحائط وهي عارية إلا من الحجاب فسحقا لهذه الحرية المسمومة!.. لو حرية الرأي تجعله يسخر في "إبداعاته الفنية" من الشيخين ياسر برهامي وعبد المنعم الشحات، فقد حان الوقت لإعادة تعريف (حرية الرأي) بأنها الوقاحة و قلة الأدب وانعدام الحياء."
ياأخي الفاضل، هناك ناس يرون جمال في هذا الجسد العاري. ليس هناك أحد يغصب عليك زيارة المعرض أو زيارة موقعي الإلكتروني. إن كان الجسد العاري صدمة بالنسبة لك، فقم بزيارة معارض أخرى - مثل المتحف الإسلامي، فبه تحف وزخارف إسلامية آية في الجمال بعيدة كل البعد عن الأجساد العارية.
أما بالنسبة للشيخين هؤلاء، فأنا لا أعرف من هذا البرهامي ولم أرسمه في لوحاتي. أما الشحات فعليك أن تعلم أن ماهو معروض عنه في المعرض هو مجرد إنعكاس لآراء ناس عديدة في هذا الرجل. منع عرض مثل هذه اللوحات لن يغير واقع رأي هؤلاء الناس فيه. وبكل تأكيد حرية الرآي تحتوى التعبير عن الرآي من خلال الكلام والكتابة والموسيقى والرسم، حتى لو كان هذا الرأي يتضمن رأي وجهة نظر عن شخص ما. إن كان هذا الواقع الآدمي ثقيل على صدرك، فتستطيع الإنتقال إلى إحدى الدول الدكتاتورية الفاشية مثل أنجولا أو الكاميرون أو سوريا أو السعودية على سبيل المثال.
"ما نوعية أفراد تلك الطبقة "المثقفة" التي تتيح لشخص مثل هذا أن يبيع رسومه في (جاليري) بالزمالك مع علمهم أن بعضها يتعدى على مشاعر كل مسلم؟!.. هل المسألة مجرد تحدي للمسلمين واختبار قدر تحملهم لإهانة شعائرهم ومقدساتهم؟"
لا أعلم من أعطاك حق الكلام بالنيابة عن "كل مسلم" ياأستاذ سلامة، ولكني على دراية أنك خاطيء، فقد زار معرضي، بالطبع، العديد من المنتميين إلى الدين الإسلامي ولم يشعروا بأي ضيق من معرضي هذا. بل بالعكس، أعجبوا به جدا. ولا أعلم كيف قررت أنني أهنت شعائر ومقدسات الإسلام؟
الخطأ الكبير الذي تفعله هو أنك تتكلم دائما بالنيابة عن غيرك، ولا تتكلم بالنيابة عن نفسك فقط. وتظن أن أرائك الشخصية يجب أن تعمم على مستوى الدولة!! أما أمرك عجيب ياأخي.
"هل الفن يعني أن يرسم هذا (الجنزير الصدئ) لوحة لامرأة مسلمة محجبة في نصفها العلوي ومكشوفة الفرج والساقين في النصف السفلي؟.. لن أقول أين الإسلام، بل أين الذوق والأدب وأبسط مبادئ الحياء؟
"ما الاختلاف إذن بين تعدي الفرنسيين على المسلمات في الطرقات وتعدي مدعي الثورية والفن على المسلمات المصريات؟
"هل يكره هؤلاء الليبراليون أن شعب مصر عاد لدين ربه فيريدون أن يجعلوه فاسقا فاسدا شهوانيا وإباحيا مثلهم؟!
"إنهم - والله - ممن يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وكأن الحساسية تصيبهم كلما شاهدوا سيدة محتشمة أو شاب ملتح!"
وهنا تقع في فخ نقص المنطق ياإبن سلامة. كيف تشبهني بالفرنسيين الذين يعتدوا على حرية المسلمات في أوروبا، في حين أنت بمقالتك هذه، أنت الذي تتعدى على حرية ماتراه أنت غير إسلامي؟
سريعا وضعتني في قائمة "الليبراليون" وسريعا صورت هؤلاء الليبراليون في صورة محاربين الإسلام والتقوى. ياواد يامسلم، هل سمعت أبدا عن ليبرالي مصري يمنع مسلم من الصلاة؟ عمرك سمعت عن ليبرالية تهاجم مسلمة بمترو الأنفاق؟ هل حدث أبدا أن مجموعة من الليبراليون قد منعوا بناء مسجد؟ هل إنتقد أبدا شخص ليبرالي معرض فني ذو طابع إسلامي - بل وطالب بعقاب القائمين على المعرض؟ من أين يامسلم تأتي بكل هذا الظلم والشر؟ لا أحد يمنعك من ممارسة حياتك بالشكل الإسلامي الذي تراه، ولا يجوز أبدا أن تمنع أنت أحد من أن يعيش حسب معتقداته ومفاهيمه الشخصية. وخصوصا إن كنت ترى أن للمسلمين بالغرب حق ممارسة حياتهم بشكل إسلامي.
"لقد أظهروا لنا ما في قلوبهم المريضة، فمتى سنظهر لهم عاقبة أفعالهم؟!.. متى تعود النخوة حتى يخشى إخوان الشياطين من المجاهرة بإنحلالهم كما يفعلون اليوم؟"
قلوب مريضة؟ إخوان شياطين؟ وتريد معاقبتي كمان؟ لك أن تعلم أن هذا بلغة القانون ما يسمي بالتحريض على العنف. وبناءاً على مقالتك فقط أستطيع أن أقدم فيك بلاغا يؤدي بك في السجن لامحالة. فقضايا التحريض على العنف ليست هينة. مقالتك ياإبن سلامة تحتوي على لغة إرهابية في غاية الحدة، ولكن لأننا ولاد بلد سأفعل معك السليمة وسأطلب من الله تعالى أن يسامحك ويهدي قلبك الموبوء.
"الصورة لأحد حوائط المعرض قبل الانتهاء من رسمها. ويظهر فيها عامل نظافة يرسم شعار المذهب الأناركي الفوضوي لكن مع تحويره إلى كلمة (لا). والجدار الآخر يحمل صورة فتاة بلا ملامح ترتدي حجابا أسود وأحمر شفاه ويخرج من فرجها حبل سري طويل ينتهي بجنين."
من المذهل أنك لاتري الحياة! من المذهل أنك لا تستطيع رؤية جمال خروج الجنين من فرج المرأة! من المذهل أنك تصمم على رؤية فرج المرأة كشيء أبيح بدلاً من أن تراه مصدراً جميلاً من مصادر الحياة! ترى من فينا صاحب القلب المريض؟
"لكن يبدو أن إدارة المعرض لم تتحمل هذا القدر من الانحطاط لأنه في مواجهة الباب الزجاجي للمكان ويظهر بوضوح للمارة خارجه، فقام "الفنان" فتغطية الجزء العاري بطلاء أسود مع كتابة كلمة (عيب) عليه."
ومن الواضح أنك تتفق مع هذه الرؤية؟ بأن الحياة عيب؟ ولا نقول حرام أحسن؟
"ويظهر هنا أيضا رسم يصور الشيخ ياسر برهامي لكن مع لوحة تقول أن اللحية لا تساوي الإسلام."
ثاني مرة، لا أعلم من هذا البرهامي، ولكن هذه اللوحة لرجل إلتقيت به في إحدى المظاهرات، وأعجبت جدا بشخصيته الرزينة وحكمته الفائقة. أدركت أنه مسلم حقيقي حينما عبرلي عن وجهة نظره بأن اللحية بكل تأكيد لا تساوي القرآن أو الإسلام وليس دليلا بأي شكل من الأشكال على درجة إيمان الرجل. فأعجبني هذا الكلام وخصوصا أن هذا الرجل هو نفسه كان ملتحي، فقررت أن أصنع له هذه الرسمة وهو معه لوحة تقول أن "اللحية لا تساوي القرآن الكريم".
ولكن الظاهر كده إنك غير متفق مع كلامه وترى أن اللحية تساوي الإسلام مثلا؟
"وحملت جدران المعرض عدة بوسترات تصور الشيخ المهندس عبد المنعم الشحات وتحته كلمة (للوراء)!!"
مظبوط. أكيد كلمة "للأمام" غير جديرة لوصف شخص يفكر مثله. ولكن هذا عموما رأيي ورأي من شاركوني المعرض. لك حرية عمل معرض تعبر فيها عن أرائك المختلفة تجاه هذا الرجل.
"رسم لشخص مغمى العينين وهو يخيط شفتيه بخيط يحمل ثلاثة رموز: صليب وهلال ونجمة إسرائيل."
هذه ليست "نجمة إسرائيل" كما تزعم، ياإبن سلامة. هو رمز يدعى "نجمة داوود"، وهو رمز إتخذه اليهود أجمعين تعبيرا عن ديانتهم ووجد لقرون عديدة قبل ظهور دولة إسرائيل على وجه الأرض. يصبح الرمز "نجمة إسرائيل" فقط عندما يظهر باللون الأزرق على خلفية بيضاء.
"مسقط رأسي للكعبة والطائفين حولها. يسميها الفنان: الحرم. ووجودها في نفس المكان مع الصورة العارية هو شيء أقل ما يوصف به أنه استهانة بالإسلام وازدراء!.. هذا غير التشكيلات الخطية التي تظهر كلمة (محمد) على الجدران بخط الرقعة."
أمرك غريب ياأخي! فلا يعجبك أن أرسم ماتراه غير إسلامي ولايعجبك أن أرسم ماتراه إسلامي؟ وإن كنت ترى أن وجود ما هو إسلامي وسط ماهو غير إسلامي هو بمثابة إستهانة وإزدراء بالإسلام، فلم تدافع عن حق تواجد المسلمين وسط العلمانيين الأوروبيين؟
هل ننزع الجوامع الإسلامية من القارة الوروبية كنوع من الإحترام للإسلام؟
"لكن الطامة الكبرى كانت "عملا فنيا" يصور فتاة مسلمة محجبة تدعو الله وهي عارية أن يرزقها زوجا يجامعها!
لكن (جنزير) حاول إلغاز حروف الدعاء بحيث لا تظهر إلا بعد تدقيق وفحص، وبهذا يتجنب ردود أفعال الناس على فحش الألفاظ التي استخدمها!"
ما هذا الكم من الإندهاش؟ هل هو عجيب أن تتمنى فتاة مسلمة، عارية كانت أم مستورة، زوجا يجامعها بشكل يكفي حاجاتها الجنسية؟ هل تعتقد أنه شيء بعيد عن الواقع؟ بل بعيد عن واقع فتيات بلدك؟
إذن أنت مغيب ياأستاذ سلامة. ومع إحترامي لتحليلك لسبب إستخدامي إسلوب الكتابة هذا، فدعني أعرض عليك السبب الحقيقي، وهو سبب فني/فلسفي بحت: لقد أردت أن أضع المشاهد في موقف يجبره على التفحص والتدقيق لحل هذا اللغز، لأن هذه المشكلة التي يعاني منها الكثير من فتيات مصر أمر يحتاج إلى نوع من التدقيق لفهمه، وهو ليس بالأمر الهين.
ولكن حتى لو كان الأمر حقا مرتبط بهذا النوع من "تجنب ردود أفعال الناس"، لماذا يضايقك هذا؟ في أول مقالتك إتهمتني بالوقاحة وقلة الأدب وإنعدام الحياء. قوللي ياسلامة، أليس الحياء هو تجنب الوتر الحساس لدى المجتمع؟
يعني إنت لا الصراحة العارمة عجباك ولا الألغاز عجباك! هل سمعت عن مرض نفسي يدعى الشيزوفرينيا؟
"أين محامو الإخوان المسلمين الذين كانوا يتصدون - قبل الوصول للحكم - لهذه التعديات الفاضحة على مشاعر المسلمين؟.. لماذا لم ترفع قضية ازدراء أديان على هذا الفنان "الثوري" حتى الآن؟
"الله المستعان."
إليك بعض المعلومات الهامة: "الإخوان المسلمون" هو في الواقع حزب يرأسه العديد من رجال الأعمال الإنتهازيين الذين يقومون بأعمالهم من خلف ستار ديني، ولا يهمهم إلا مصالحهم المادية. يعني بإختصار كده.. هم أقرب لكفار قريش (الذين تاجروا بإسم الدين) عن مؤيدي محمد -عليه الصلاة والسلام- فلا تنتظر منهم نصرة دينك. أما قضايا إزدراء الأديان، فأعلم أنها تنطبق فقط في حالة الإهانة المباشرة للديانة، ولا تنطبق علي صنع شيء غير متماشي مع تعاليم الديانة في العموم. بمعني: لو رسمت فتاة نصف عارية ونصف مستورة، فهذا ليس له علاقة بالدين. أما إذا رسمت الرسول -عليه الصلاة والسلام- في هيئة إرهابي، فهذا يعتبر إزدراء بالأديان. أفهمت؟
قضيتك خسرانة، ياأخ سلامة، أما قضيتي أنا -إن أردت صنع قضية- فهي بكل تأكيد ناجحة - مع تطفلك وسطوك على الحرية الشخصية للآخرين وحثك وتحريضك على العنف والعقاب. ولكني سأتخذ أكثر إجراء سلمي وحنون ممكن أن يتخذ وسأدعو الله أن يسامحك ويخبط رأسك خبطة تجعل عقلك العمل بشكل سليم إن شاء الله يارب.
---
إضافة يوم ١٦ نوفمبر ٢٠١٢:
من الملاحظات المثيرة التي شدت إنتباهي في الفترة الأخيرة أن الأغلبية العارمة من المتأسلمين، ومعظمهم منتميين إلى التيارات السلفية، عندهم نوع من أنواع "الرادار" الذي لا يستطيع أن يلتقط إلا من يعيشون على غير هوى المتأسلمين بشكل سلمي وفي حالهم تماما. بل، ونقد هؤلاء ومحاولة التدخل في أبسط أمورهم الشخصية.
أما المشاكل الحقيقية في بلادنا مما يتعلق بالفساد السياسي والإقتصادي، بما يتعلق بمشاكل التخطيط، والمواصلات العامة، والمخالفات المعمارية، بإنهيار الزراعة، والفشل الذريع في إدارة شئون البلاد - كل هذه المشاكل الحقيقية والملموسة في بلادنا، والتي تحتاج إلى حلول جذرية من نوع إبتكاري.. فأصدقائنا المتأسلمين والسلفيين ينقصهم القدرة على رؤية كل هذا بسبب فيضان من الأمراض الشهوانية النفسية التي إجتاحت قلوبهم وسيطرت على عقولهم.